البعد الآخر
ابراهام البينو
في السنوات الاخيرة, كان حديث كل من يراقب الواقع السوداني هو تكرار الدعوات التي تطالب بضرورة حدوث انفصال سلس بين الشمال والجنوب, وعدم العودة مجددا لسنوات النزاع الطويلة التي توجت الحرب الاهلية السودانية ووضعتها في موقع الحرب الاطول والاشرس في القرون الاخيرة،
وكان آخر من أطلق الدعوة في هذا الاتجاه كما نعلم هو الرئيس الاثيوبي ملس زيناوي, وهو شخصية كما يبدو واضحا للجميع متشبعا بخبرة كبيرة في مثل هذه الحروبات بحكم تحميل بلاده لقب آخر دولة انشطرت في القارة الافريقية في تجربة لايمكن مقارنتها بالتجربة السودانية, وشهدت حرباً دولية شرسة قبل سنوات قليلة بسبب خلافات حدودية كان من الممكن تجاوزها
.
ومطالب المراقبين, كانت مشروعة, فالأجيال الراهنة من السودانيين وصلت بهم مستوى الضغينة من جراء سوء العلاقة بين مكونات الدولة السودانية لحقب متعددة, وطبيعة الحساسية العالية في تعامل السودانيين أنفسهم لمرحلة ان اندلعت حرب جديدة, فإن خسائرها كانت ستبقى قياسية.
ومن جانب آخر كان كل من يتابع مجريات الأمور في البلاد يتأكد بما لايدع مجالاً شك من توفر شروط حدوث كارثة سياسية وانسانية حال أن سارت عملية الاستفتاء في تلك الظروف, فقد كان واضحا من اتجاهات بعض وسائل الاعلام في الخرطوم أن بعضها يعمد الى اتباع سياسات تحريرية متسمة بتحريض صريح لمنع الانفصال حتى وان قادت تلك السياسات لتجدد الحرب،
ولكن وكما قيل قديماً أن النار لاتعرف والعها, وأن الجمرة تحرق واطيها, فقد أيقن الجميع بعد اقتراب موعد الاستفتاء على حقيقة صعوبة تنفيذ أية خطوة غير مسؤولة لنسف العملية, أو حتى التعنت برفض نتائجها, لان ممارسة تصرفات كتلك كان من شأنها أن تبعثر أوراق كل طرف وتجعل الكل يتجهون ربما لخيارات قد تزيد من معاناة (ابن آدم السوداني).
عدم اعتراف الخرطوم بنتيجة الاستفتاء, كان من المستحيل أن يعيد البلاد موحدة مهما حدث, وحتى بعض (المستهبلين والمستهبلات) الذين يجهشون بالبكاء هذه الأيام من مواطني جنوب السودان خوفا من الانفصال كانوا مدركين جيدا أن رفض الخرطوم للنتيجة كانت حيلة ضعيفة, وبمناسبة هذه الفئة الأخيرة, استغرب بشدة من ربط بعض الافراد مصالح الشعوب بانتماءاتهم الاسرية, وعلاقاتهم الشخصية, واستغرب اكثر من تبديل البعض خيار التفكير في المستقبل في مثل هذه اللحظات بحيث يهرول مسرعاً للبكاء على قرار تاريخي كالانفصال، فالواقع حاليا بات مختلفا ومن الأفضل لهولاء في تقديري أن يستعدوا للعب أدوار جديدة حتى لا تظن النسبة الكبيرة التي صوتت لقرار الانفصال أنهم ضد آراء الأغلبية, ويجلبون لأنفسهم شبهات حول ولاءاتهم المستقبلية. المهم حدث الانفصال, واعترف الكل, وكان أكبر عملية اعتراف وأهمها ما صرح به الرئيس الامريكي باراك اوباما عن استعدادهم للاعتراف بالدولة الجديدة في الجنوب بعد يوليو القادم, فكما عرف الكل من خلال وثائق الـ(ويكيليس) المشهورة, فإن كثيراً من الدول تتفق مع امريكا اما خوفا منها, أو حرصا على مصالحها وأحيانا لقناعتها الشخصية في الوقوف مع الحقيقة, ونعتقد أن هذه القاعدة بعد ضمان اعتراف أقوى دول العالم قد تساعد شعب جنوب السودان على تحقيق أحلامه, ونرى أن الخطوات المتبقية هى بذل مزيد من الجهود الدبلوماسية والاعلامية من حكومة الجنوب لضمان تأييد دولي يتناسب مع النسبة الكبيرة التي انتهت عليها نتيجة الاستفتاء.
فالحزب الحاكم في الشمال كان من الطبيعي أن يعترف بالنتيجة, فعدم اعترافه في ظل الأوضاع الثورية التي تشهدها الشعوب العربية, وفي ظل احتقان العلاقات السياسية في الشمال بداية من ازعاج المعارضة المدنية, لحروبات الحركات المتمردة الكثيرة, كان سيعني اضافة شراسة الجنوبيين للأوضاع الحالية, وحينها كانت قيادات الحكومة أول من يتحدثون عنها. |